السيد أحمد الهاشمي
162
جواهر البلاغة
فمثال الخبريتين قوله تعالى : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ « 1 » وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [ الانفطار : 13 ] . ومثال الإنشائيتين قوله تعالى : فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [ الشورى : 15 ] وقوله تعالى : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [ النساء : 36 ] . وصل جملة وَلا تُشْرِكُوا بجملة وَاعْبُدُوا لاتحادهما في الإنشاء ، ولأن المطلوب بهما مما يجب على الإنسان أن يودّيه لخالقه ، ويختصّه به . ومن هذا النوع قول المرحوم شوقي بك : [ الرمل ] عالجوا الحكمة واستشفوا بها * وانشدوا ما حلّ منها في السّير فقد وصل بين ثلاث جمل ، تتناسب في أنها مما يتعلق بأمر الحكمة وبواجب الشباب في طلبها ، والانتفاع بها . ومثال المختلفتين ، قوله سبحانه : إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ ، وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [ هود : 54 ] . أي : إني أشهد اللّه وأشهدكم « 2 » ، فتكون الجملة الثانية في هذه الآية : إنشائية لفظا ، ولكنها خبرية في المعنى « 3 » . ونحو : اذهب إلى فلان ، وتقول له كذا ، فتكون الجملة الثانية من هذا المثال خبرية لفظا ، ولكنها إنشائية معنى : وقل له . فالاختلاف في اللفظ ، لا في المعنى المعوّل عليه ، ولهذا وجب الوصل . وعطف الجملة الثانية على الأولى لوجود الجامع بينهما ، ولم يكن هناك سبب يقتضي الفصل بينهما ، وكل من الجملتين لا موضع له من الإعراب .
--> ( 1 ) . في هذا الكلام جملتان خبريتان وصلت الثانية بالأولى لأن بين الجملتين تناسبا في الفكر . فإذا جرى في الذهن حال أحد الفريقين تصور حال الفريق الآخر . ( 2 ) . والداعي لذكر الجملة الثانية إنشائية ، ولم تذكر كالأولى خبرية ، لأجل التحاشي عن مساواة شهادتهم بشهادته عز وجل ، تعال اللّه عما يقولون علوا كبيرا . ( 3 ) . اعلم أن صور الجملتين ثمانية ، لأنهما ( إما خبريتان ) لفظا ومعنى ، أو معنى لا لفظا ، أو الأولى جملة خبرية معنى لا لفظا ، أو بالعكس . ( وإما إنشائيتان ) لفظا ومعنى ، ومعنى لا لفظا ، أو الأولى جملة خبرية صورة والثانية إنشائية ، أو بالعكس كما مثلنا .